الفصل الأول
معنى الحفظ
أولاً : في اللغة :
قال صاحب مختار الصحاح ( 1/61 )
حَفِظَ الشيء ـ بالكسر ـ حفظًا : حرسه ، وحفظه أيضا : استظهره والحَفَظَةُ : الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم ، والمُحافَظَةُ ، المراقبة و الحِفَاظُ والمُحافَظَةُ أيضا : الأنفة ، والحَفِيظُ : المحافظ
ومنه قوله تعالى : ( وَمَا أنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ) [ الأنعام : آية (104) ]
ويقال : احْتَفِظْ بهذا الشيء : أي أحفظه ، وتَحَفَّظَ الكتاب : استظهره شيئا بعد شيء ، وحَفَّظَهُ الكتاب تحفيظا : حمله على حفظه ، واسْتَحْفَظهُ كذا : سأله أن يحفظه . أ ـ هـ
ثانيًا : الحفظ في القرآن :
قال الراغب الأصفهاني في ( المفردات ص124 ) :
الحفظ يقال تارة لهيئة النفس التي بها يثبت ما يؤدي إليه الفهم .
وتارة لضبطٍ في النفس ويضاده النسيان .
وتارة لاستعمال تلك القوة فيقال : حفظت كذا حفظًا ، ثم يستعمل في كل تفقدٍ وتعهدٍ ورعايةٍ .
قال الله تعالى : ( وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ يوسف (12) ] ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ )[البقرة : (238)] ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ[المؤمنون:(5)]( وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَات) ِ[ الأحزاب : (35)كناية عنالعفة (حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّه) النساء : (34 )]أي يحفظن عهد الأزواج عند غيبهم بسبب أن الله تعالى يحفظهن أن يطلع عليهن .
وقُرئ ( بما حفظ اللهَ ) بالنصب : أي بسبب رعايتهن حق الله تعالى لا لرياء وتصنع منهن .
(فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً )[ النساء : (80)]) أي حافظاً كقوله : ( وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّار)ٍ[ ق : (45 )] ( وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ )[الأنعام:(107)] (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً) [يوسف : (64)]
وقُرئ : حفظًا ، أي حفظه خير من حفظ غيره .
(وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ)[ق : (4)]
أي حافظ لأعمالهم ، فيكون حفيظ بمعنى حافظ :نحو ( اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ( [الشورى : (6)]
أو معناه : محفوظ لا يضيع كقوله تعالى : ( قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى)[طه: (52)]
والحفاظ : المحافظة ، وهي أن يحفظ كل واحد الآخر
وقوله عز وجل ( وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ )[المؤمنون : (9)]
فيه تنبيه أنهم يحفظون الصلاة بمراعاة أوقاتها ومراعاة أركانها والقيام بها في غاية ما يكون من الطوق . أ ـ هـ
ثالثًا : الحفظ في السنة
1 ـ قال البخاري في صحيحه (117 ) :
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَخِي ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : (حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِعَاءَيْنِ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ )
2 ـ وقال مسلم في صحيحه (1441) :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ خُبَيْبٍ عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ ، عَنْ بِنْتٍ لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ : ( مَا حَفِظْتُ ق إِلا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ قَالَتْ : وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدًا)
3 ـ وقال أيضًا (2719 ) :
و حَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : كُنْتُ مَعَ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ الأَعْظَمِ وَمَعَنَا الشَّعْبِيُّ فَحَدَّثَ الشَّعْبِيُّ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلا نَفَقَةً ثُمَّ أَخَذَ الأَسْوَدُ كَفًّا مِنْ حَصًى فَحَصَبَهُ بِهِ فَقَالَ وَيْلَكَ تُحَدِّثُ بِمِثْلِ هَذَا قَالَ عُمَرُ لا نَتْرُكُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : [لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ])
4 ـ وقال أيضًا : (5147 ) :
وحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ عُثْمَانُ ، وقَالَ إِسْحَاقُ ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ الأَعْمَشِ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : ( قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلا حَدَّثَ بِهِ حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلاءِ وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ )
وحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ
وكل هذه الأحاديث جاء الحفظ فيها ضد النسيان .
للمزيد من مواضيعي