الفصل السادس
آفات الحفظ
للحفظ آفات كثيرة على الطالب أن يتجنبها منها :
1 ـ السرحان
وهو انتقال الذهن من الموضوع إلى موضوع جانبي ، سواء كان هذا الموضوع الجانبي ذا أهمية أم لا .
وهذا الأمر يجعل الإنسان كالآلة التي تسير بدون قائد . فتجد عيناه علي الكتاب ، ولكن عقله في الموضوع الآخر . فلا يخرج من مذاكرته بشيء يذكر .
وهذه المواضيع الجانبية ما بين عائلية وشخصية .
وأول طريقة للتخلص من هذا الأمر : الإيمان بالقضاء والقدر . ويعلم المرء أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطاءه لم يكن ليصيبه . وأن ما قدر سيكون . فلا يسبق القدر بفكره ويتكهن في مستقبل بيد الله تعالى .
ثم بعد ذلك يؤمن أن الشيطان له بالمرصاد إذا كان يعمل عملاً صالحًا ، فيجلب عليه بخيله ورجله ، ويسلط عليه بالوساوس والهواجس حتى يحول بينه وبين تحقيق ما يريد .
فعليه أن ينهي من عمله الذي بين يديه أولاً . ثم يفكر في غيره . ثم يحاول التحرك من مكانه في الغرفة أو خارجها وهو ممسك كتابه بيده .
ومن أعظم الطرق لقطع السرحان استعمال الورقة والقلم في المذاكرة ، فيلخص الباب الذي يذاكره ، ويضع نقاطه الأساسية أمامه ثم يبدأ في حفظها ، أو يأتي بكتاب آخر في المادة ويضع الزيادات على هامش وهكذا
2 ـ الملل
روى البخاري (5862) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنْ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ .
وللملل أسباب
منها : صعوبة المادة التي يريد الطالب دراستها .
فينظر في الأسطر وكأنه ينظر إلى كلام بلغة غير التي يقرأها ، فمثلاً مادة أصول الفقه ؛ يعاني منها كل طالب بادئ ، فتكون سبب صده عن العلم الشرعي كلية ، ولو أنه صبر عليها وأعطاها جزءً من وقته حتى يفك رموزها لصارت أحب شيء إلى نفسه ، لأنها تحرر الإنسان من عبودية التقليد للأشخاص . إلى حرية الاتباع ، ومن تحجير العقل إلى انفتاحه
فلو أتى بكتاب مختصر فيها مثل ( الورقات للإمام الجويني ) أو أرجوزة ( كمنظومة ابن عثيميين ) وعكف عليها خمسة أيام وحفظها ، ثم بدأ في فك رموزها من خلال الشروح عليها في عشرة أيام أخر لكان ذلك مفتاح له في هذا العلم العظيم .
ومنها : عدم وضوح الهدف
وهذا السبب بلية أكثر طلاب العلم ، فهم ربما يرغبون في المزيد من العلم ، ولكنهم لم يحددوا هدفًا يصلوا إليه . فلا يأمل الإنسان أن يكون عالمًا من العلماء . أو طالب علم يدري ما يدور حوله دراية شرعية ، لا ثقافة علمانية ، ولا يحمل هم تبليغ هذا الدين إلى الناس ، والذود عن حياضه من تحريف المبطلين وانتحال الغالين
ومنها : فقدان الثقة بالنفس
وعلاجها بحفظ متن صغير في علم من العلوم واستظهاره أمام الأقران ، أو دراسة مسألة دراسة جيدة واستظهارها .
ومنها : عدم الهمة أو ضعفها
وهذه تعالج بالقراءة في سير السابقين من العلماء ، ممن سهروا الليالي الطوال ، وقطعوا المسافات الشاسعة في سبيل تعلم حديث ، أو فائدة من عالم وخير كتاب في ذلك هو (سير أعلام النبلاء ) للحافظ الذهبي رحمه الله
ومنها : قلة الصبر واستعجال قطف الثمرة قبل أوانها
وعلاج ذلك أن يضع في يقينه أن العلم لا يعطيه بعضه حتى يعطيه هو كله . وأن المشاهير من أهل العلم لم يحظوا بذلك إلا بعد عناء سنين في الطلب والتبليغ .
ومنها : أسلوب المذاكرة الخاطئ ، فيقطع شوطًا من الزمن ثم ينظر في نفسه فيرى أنه لم يحقق شيئًا في العلم ولم يحفظ شيئًا .
فعليه أن يقدم الأولى ، ثم يختار المختصرات أولا ، ويحفظ القليل مع القليل بدلا من القراءة الكثيرة دون تحصيل .
ومنها : عدم التشجيع أو قلته ممن حول الطالب
فيقل عنده الدافع ، وتأخذه هموم الحياة رويدا رويدا حتى يترك العلم نهائيا .
وعلاجه : أن يدرب نفسه على تشجيع نفسه بنفسه ، وأنه صاحب مسؤولية وعليه أن ينجزها .
ومنها : التثبيط من الجهلة والحاقدين
وهذا كثير ، وعلى طالب العلم أن لا يلتفت إلى هؤلاء ، وليمض في طريقه بقوة وعزم ، وممن الممكن أن يحول تثبيط هؤلاء إلى مشروع ينجزه ، فمثلا : يدرس أحوال هؤلاء ويقوم بعمل دراسة عن الأسباب التي أدت بهم إلى هذه الحالة وكيفية علاجها . وهكذا يكون استفاد منهم وأفاد غيرهم .
3 ـ النسيان
وله أسباب :
منها : زحمة الأفكار في رأس الطالب ، مما يؤدي إلى تشتت الذهن
ومنها : قلة المراجعة لما يحفظه
ومنها : النشاط والحركة المجهضة للأعصاب والبدن بعد الحفظ
ومنها : الحفظ الكثير المتراكم من غير راحة للذهن
ومنها : إجبار النفس على الحفظ من غير رغبة
ومنها : مرض ما يصيب بعض الناس فيؤثر في الذاكرة ، أو أمراض تتراكم على الطالب فتؤثر على مراجعته وبالتالي تؤثر على حفظه
ومنها : الحفظ علي جوع زائد أو شبع زائد
ومنها : عدم مدارسة العلم مع الأقران والعلماء
ومنها : عدم انشغال الذهن بما يحفظه
ومنها : عدم اختيار المكان المناسب للحفظ
ومنها : عدم فهم ما يحفظه الطالب
ومنها : نقص الغذاء عند البعض
ومنها : انشغال الطالب بالدنيا أكثر من العلم ، وهذه هي الطامة الكبرى التي تقضي على طلب العلم ، والعلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك .
فعلى طالب العلم أن يقدم العلم على الدنيا ؛ بمعنى أن يكون العلم همه الوحيد وفكره الشاغل ، والدنيا لا تأخذ منه غير بعض الوقت والجهد البدني . فطالب العلم الجاد هو الذي يكون العلم همه وفكره في نومه وعمله وطعامه وشرابه وسيره . حتى يستفيد من كل الوقت ، ويستفيد ممن حوله .
للمزيد من مواضيعي